أبي نعيم الأصبهاني
92
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء
ظلم الإمام عمروا الخرابات ونزلوا الأرض ، وأما العباد فينظر إلى قوم من أهل الجهل فيقول : قد شغلهم طلب المعيشة عن طلب ما ينفعهم من تعلم القرآن وغيره ، فيجمعهم في دار خمسين خمسين أقل أو أكثر ، يقول للرجل : لك ما يصلحك ، وعلم هؤلاء أمر دينهم ، وانظر ما أخرج اللّه عز وجل من فيهم مما يزكى الأرض فرده عليهم . قال : فكان صلاح العباد والبلاد ، فقبل ابن المبارك جبهته وقال : يا معلم الخير من يحسن هذا غيرك . * حدثنا محمد بن إبراهيم ثنا أبو يعلى ثنا عبد الصمد قال سمعت الفضيل يقول : إنما هما عالمان عالم دنيا وعالم آخرة ، فعالم الدنيا علمه منشور ، وعالم الآخرة علمه مستور ، فاتبعوا عالم الآخرة واحذروا عالم الدنيا ، لا يصدكم بسكره ، ثم تلا هذه الآية ( إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ ) الآية ، تفسير الأحبار العلماء ، والرهبان العباد ، ثم قال الفضيل : إن كثيرا من علمائكم زيه أشبه بزى كسرى وقيصر منه لمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، إن محمدا لم يضع لبنة على لبنة ، ولا قصبة على قصبة ، لكن رفع له علم فسموا إليه ، قال وسمعت الفضيل يقول : العلماء كثير والحكماء قليل ، وإنما يراد من العلم الحكمة ، فمن أوتى الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ، وقال : لو كان مع علمائنا صبر ما غدوا لأبواب هؤلاء يعنى الملوك وسمعت رجلا يقول للفضيل : العلماء ورثة الأنبياء ، فقال الفضيل : الحكماء ورثة الأنبياء . وقال رجل للفضيل : العلماء كثير ، فقال الفضيل : الحكماء قليل ، وسمعت الفضيل يقول : حامل القرآن حامل راية الاسلام ، لا ينبغي له أن يلغو مع من يلغو ، ولا أن يلهو مع من يلهو ، ولا يسهو مع من يسهو ، وينبغي لحامل القرآن ان لا يكون له إلى الخلق حاجة ، لا إلى الخلفاء فمن دونهم ، وينبغي أن يكون حوائج الخلق إليه . * حدثنا أبو أحمد محمد بن أحمد الغطريفى ثنا محمد بن شاذان ثنا أحمد بن محمد بن غالب ثنا هناد بن السرى قال سمعت الفضيل بن عياض يقول : ما من ليلة اختلط ظلامها وأرخى الليل سربال سترها إلا نادى الجليل جل جلاله :